قصة مشروع "شباك"

كل مشروع ناجح يبدأ بفكرة مستلهمة من واقع، أو من الحاجة لمواجهة مشكلة، أو حتى من ابتكار يجمع بين الاثنين.

بدأت قصتنا من واقع تجربتنا في المؤسسات الحكومية بالسودان بمختلف أغراضها؛ جميعها تحتاج إلى جهد وصبر ووقت أكثر من المعتاد، بالإضافة إلى الفساد المستشري في كل إجراء من الإجراءات. نبعت الفكرة منا نحن كطلاب يجمع تخصصنا بين الابتكار وعلوم الحاسوب. فقررنا تحويل هذه المعاناة إلى قصة نجاح. ومع الانفتاح الذي حدث للسودانيين على العالم الخارجي واطلاعنا على أنظمة الدول الأخرى، ولدت فكرة مشروع "شباك". كنا مدفوعين بشعورنا بالمسؤولية، والثقة في إحداث التغيير، ورفع راية الجيل الجديد ومواكبة العالم، ودعماً لوزارة الاتصالات ورؤية السودان الجديد بقيادة د. كمال إدريس.

عن مشروع "شباك"

يهدف مشروع "شباك" إلى رقمنة المعاملات الحكومية وتقليل الإجراءات المستهلكة للوقت والجهد، وبالتالي تخفيف التكاليف والازدحام. تمثلت مهمة "شباك" الأولى في تحويل كل إجراء روتيني مستهلك للوقت ومسبب للازدحام إلى إجراء إلكتروني يتم عبر الهاتف المحمول أو جهاز الحاسوب. وهذا يمثل بداية للتحول الرقمي وتخفيفاً للضغط. أي أنه نافذة سهلة توفر على المواطن عناء الإجراءات البسيطة وتكاليفها الزمنية والمالية، وتضمن له موعداً بتاريخ ووقت محدد، وتقدم له سهولة في تقديم المعلومات الأولية والمستندات المطلوبة. وبالتالي، يبدأ الإجراء بالنسبة للعميل إلكترونياً بكل سهولة، وتحصل الجهة المعنية على معلومات العميل الأولية بطريقة منظمة. المشروع أشبه بحلقة تواصل إلكترونية يتم فيها استبدال الاستمارة الورقية باستمارة إلكترونية. من واقع تجربتنا، هذا الاستبدال، بالرغم من أنه يبدو خطوة بسيطة، إلا أنه بلا شك سيساعد في توفير الكثير من الجهد والوقت لجميع الأطراف.

رحلة التنفيذ: من الفكرة إلى الواقع

شرعنا في العمل على المشروع بفهم المشكلة بصورة أعمق، ويمكن تفصيل ذلك في النقاط الآتية: البحث والتحليل: قمنا ببحث مستفيض لفهم أبعاد المشكلة، والتعرف على أفضل الممارسات والحلول الرقمية المطبقة عالمياً في مجال الخدمات الحكومية. تصميم سير العمل: قمنا برسم مخطط انسيابي (Flowchart) تفصيلي لتصور كل مرحلة من مراحل تقديم الطلب ومعالجته وحتى إصداره، مع تحديد نقاط القرار والتفاعلات. اختيار التقنيات وبناء النموذج: نظراً لمحدودية خبرتنا السابقة في تطوير الويب الشامل، ركزنا على البحث عن الأدوات والتقنيات التي تُمكّننا من بناء نموذج أولي تفاعلي بسرعة وفعالية. قادنا هذا إلى استخدام React لإنشاء واجهة المستخدم، وTailwind CSS للتصميم السريع والمتجاوب، مع التركيز على محاكاة المنطق الخلفي باستخدام JavaScript.

التكرار والتطوير: خضع الموقع لعدة جولات من الاختبارات والتعديلات لتحسين تجربة المستخدم وضمان تجسيده للمبادئ الأساسية للفكرة، حتى وصلنا إلى نموذج أولي (MVP) قادر على شرح المفهوم بوضوح.

بما أننا نعمل في هذه المرحلة على إثبات الفكرة، فإننا نرى أن تنفيذها بدأ من معرفة المشكلة التي نحن بصدد حلها، ومن ثم دراسة المعطيات المتوفرة، ومنها طبيعة الأنظمة الموجودة في السودان خصوصاً فيما يتعلق بإجراءات الوثائق الرسمية، وبعد ذلك دمج الأفكار المطروحة لدينا مع بعض الأفكار من الأنظمة في دول الخارج للخروج بهذا النموذج المصغر.

التحديات التي واجهتنا والحلول المقترحة

في بادئ الأمر، بدت الفكرة سهلة التنفيذ وفي متناول الأيدي، ولكن بعد إجراء بحث مبسط حول إمكانية تطبيقها على أرض الواقع، واجهنا تحديات عدة: العائق الأول: كيفية التعامل مع البيانات وتبادل المعلومات بين المؤسسات المختلفة. تبين أن الحصول على بيانات المواطنين لن يكون أمراً سهلاً، والسبب يرجع إلى التحفظات المفروضة على كل مؤسسة. هذا يعني أن طرح مشروع يتطلب مثل هذه المعلومات قد يؤدي إلى فشله. الحل: قمنا بإعادة النظر في المشروع، وتعديله من مشروع متكامل يعتمد على قواعد البيانات، إلى مشروع يمثل حلقة ربط بين هذه المعلومات والعميل. أي أننا لن نقوم في هذه المرحلة باستخدام برنامج يعتمد على بيانات تتطلب تخطي أي نوع من التحفظات أو تبادل المعلومات. بهذا أصبح المشروع أكثر بساطة لكلا الطرفين.

العائق الثاني: المشاكل المتعلقة بالوضع التقني في السودان. وهي تشمل تذبذب خدمات الإنترنت، والانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، إضافة إلى عدم الوعي التقني الكافي لدى بعض المستخدمين.

الحل: فيما يتعلق بعدم توفر الخبرة الكافية بالتقنية لدى المستخدمين، فإن الأمر لابد أن يبدأ بالطريقة التقليدية وهي التعليم. عاجلاً أم آجلاً، لابد للمجتمع السوداني أن يواجه تلك العقبة ويلحق بالركب. لذا يمكن إقامة دورات تدريبية لكل مؤسسة ستتعامل مع النظام الجديد. إضافة إلى ذلك، وبما أن الهدف من المشروع في هذه المرحلة هو تخفيف الضغط والجهد والتكاليف وليس استبدال الأنظمة القديمة بشكل كامل، فستكون الطريقة التقليدية متوفرة كبديل. وهذا الأمر سيجعل من عوائق البنية التحتية محل اعتبار ولن تشكل عائقاً دائماً لقيام المشروع.

إنجازات نفخر بها

نحن نفخر بالعديد من الإنجازات التي تحققت خلال هذا المشروع، وبالرغم من أن هذه الإنجازات على صعيد التميز قد تبدو صغيرة، إلا أننا فخورون بها جداً: أولاً: إتمام العمل على النموذج الأولي في فترة زمنية حرجة ووجيزة، مما يعكس الإصرار والالتزام. ثانياً: اكتساب معرفة عميقة حول المشكلة الحالية، والحلول الرقمية المبتكرة المطبقة عالمياً في مجال الخدمات الحكومية. ثالثاً: النجاح في بناء موقع تجريبي يجسد المبدأ الأساسي لفكرة "شباك" ويوضح إمكانياته التحويلية. أخيراً: المساهمة بجهدنا المتواضع في سبيل تحقيق التطور والارتقاء بوطننا.

ما تعلمناه

كانت التجربة مُثرية جداً، أدركنا فيها دور التفكير التصميمي (Design Thinking) في تحويل العمليات المعقدة إلى تجارب مستخدم بديهية. لم يقتصر ما تعلمناه على الجانب التقني أو العملي من المشروع فقط، بل تعلمنها كيفية سير الإجراءات في الأنظمة الحكومية السودانية الآن. لقد تبين أن قابلية تطوير هذه الأنظمة ليست بالأمر الصعب، خصوصاً مع وجود مقومات جيدة في السودان فيما يختص بالبيانات وغيرها، وأيضاً يحتوي السودان على أنظمة قوية عالمياً مختصة باستخراج المستندات الرسمية. بالإضافة إلى ذلك، مع انفتاح الكثير من المواطنين من مختلف الفئات العمرية على دول العالم (ونحن منهم)، كنا قادرين على رؤية مستقبل مزدهر في بلادنا، واستوحينا أفكاراً عديدة من أنظمة هذه الدول وطرحناها في هذا المشروع. وبالتأكيد، اكتسبنا بعض الخبرة في الجانب التقني، وبالتحديد في الأدوات المساعدة على بناء المواقع الإلكترونية، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعي بشكل عام.

ما هو التالي لمشروع "شباك"؟

"شباك" لا يزال يحمل آمالاً كبيرة ليُصبح حقيقة ملموسة. نطمح للعمل جنباً إلى جنب مع المختصين في مجال التحول الرقمي، والجهات الحكومية المسؤولة، والمستثمرين المهتمين، لتطوير هذا المشروع وتحويله إلى منصة وطنية متكاملة. في هذه الفترة التي يتسارع فيها العالم نحو التحول الرقمي، نؤمن بأن مواكبة هذا الركب ليست مجرد خيار، بل واجب وطني لضمان مستقبل أكثر كفاءة وشفافية لبلادنا.

Built With

+ 209 more
Share this project:

Updates